عثمان بن جني ( ابن جني )

411

الخصائص

والظاهر أن يكون ما أنشده أبو زيد لم يصل إلى الأصمعىّ [ لا ] من متبع فيه ابن أحمر ، ولا غير متبع . [ وجاء في شعر أميّة الثّغرور ، ولم يأت به غيره ] . والقول في هذه الكلم المقدّم ذكرها وجوب قبولها . وذلك لما ثبتت به الشهادة من فصاحة ابن أحمر . فإمّا أن يكون شيئا أخذه عمّن ينطق بلغة قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه ، على حدّ ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح ؛ كقوله في الذرحرح : الذرّحرح ، ونحو ذلك ، وإما أن يكون شيئا ارتجله ابن أحمر ؛ فإن الأعرابىّ إذا قويت فصاحته ، وسمت طبيعته تصرّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به ؛ فقد حكى عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا إليها . وعلى نحو من هذا قال أبو عثمان : ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب . وقد تقدم نحو ذلك . وفي هذا الضرب غار أبو علي في إجازته أن تبنى اسما وفعلا وصفة ونحو ذلك من ضرب فتقول : ضربب زيد عمرا ، وهذا رجل ضربب وضرنبى ، ومررت برجل خرجج ، وهذا رجل خرجج ودخلخل ، وخرجج أفضل من ضربب ونحو ذلك . وقد سبق القول على مراجعتى إيّاه في هذا المعنى ، وقولي له : أفترتجل اللغة ارتجالا ؟ وما كان من جوابه في ذلك . وكذلك إن جاء نحو هذا الذي رويناه عن ابن أحمر عن فصيح آخر غيره كانت حاله فيه حاله . لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين أو متّهم أو من لم ترق به فصاحته ، ولا سبقت إلى الأنفس ثقته كان مردودا غير متقبّل . فإن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها فإنه لا يقنع في قبوله أن تسمعه من الواحد ولا من العدّة القليلة ، إلا أن يكثر من ينطق به منهم . فإن كثر قائلوه إلا أنه مع هذا ضعيف الوجه في القياس فإن ذلك مجازه وجهان : أحدهما أن يكون من نطق به لم يحكم قياسه على لغة آبائهم ، وإمّا أن تكون أنت قصّرت عن استدراك وجه صحّته . ولا أدفع أيضا مع هذا أن يسمع الفصيح لغة غيره مما ليس فصيحا ، وقد طالت عليه وكثر لها استماعه فسرت في كلامه ، ثم تسمعها أنت منه ، وقد قويت عندك في كل شيء من كلامه غيرها فصاحته ، فيستهويك ذلك إلى أن تقبلها منه ، على فساد أصلها الذي وصل إليه